وردت أحاديث أخرى تتعلق بموضوع الصلاة في المقبرة ، تنهى عن الصلاة فيها ، بعضها فيها مقال، ولا تنهض به حجة، وبعضها ليس هذا محله فلا يصلح دليلا على منع الصلاة بالمقبرة. وسنعلق عليها في بضعة سطور دفعا لسوء الفهم. أولا: اتخاد القبور مساجد: شددت السنة المطهرة النكير على من يتخذ على القبور مساجد يصلى إليها. فعن جندب بن عبد الله البجلى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: { إن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم :{ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد}. قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، وربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية . هذه الأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد يصلى بها ، لا علاقة لها بصورة المسألة السابقة التي رأينا فيها الحكم بجواز الصلاة في المقبرة. وعليه فإن النهي عن اتخاذ القبور مساجد على التعظيم شيئ والصلاة بالمقبرة على جنازة أو غيرها شيئ آخر. ثانيا: درجة أحاديث النهي: والأحاديث التي تصرح بالنهي عن الصلاة بالمقبرة بعضها فيه مقال وبعضها منسوخ بالأحاديث الصحيحة ، وبالتالي فلا تنهض أيضا للاحتجاج بها على تحريم الصلاة بالمقبرة. ومن هذه الأحاديث مارواه ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبع مواطن :{ في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله.}قال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. قال الشوكاني : الحديث في إسناد الترمذي زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما قال الترمذي. قال البخاري، وابن معين: وزيد بن جبيرة متروك. وقال أبو حاتم : لا يكتب حديثه . وقال الحافظ في التلخيص : إنه ضعيف جدا ومنها أيضا مارواه أبو سعيد أن النبي صلى الله وسلم قال: { الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام} . قال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب ، رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا... وقال النووي: هو ضعيف . وعلى فرض صحة الحديثين كما ذهب إلى ذلك كثير من علماء الحديث والفقه اعتمادا على الطرق المتعددة التي يعضد بعضها بعضا ، فإن الإمام مالك قدم عليهما الحديث المتفق عليه:{ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا} لقوته عليهما ، والله أعلم . وأما حديث { لا تجلسوا على القبور...} الحديث فحمله مالك رحمه الله على جلوس قضاء الحاجة.
